د. محمد عباس: بناء الأسرة يقوم علي المودة والرحمة.. والإسلام حرم العنف
د. أحمد شيل: النبي دعانا إلي الرفق في كل أحوالنا لأستقرار المجتمع
د. سمير خطاب: اثاره سلبية.. وزيادة الوعي المجتمعي والتأهيل النفسي.. الحل
هيثم موافي: نطالب بعقوبات رادعه لوقف ارتفاع معدلاته
تحقيق- محمد لاشين
يشهد المجتمع المصري في الآونة الأخيرة العديد من الظواهر التي اصبحت شبحا يهدد أمنه واستقراره، ومن بين هذه الظواهر التي انتشرت بشكل غير مسبوق العنف الأسري الذي اتسعت دائراته بين أفراد الأسرة الواحدة، وتسجله دفاتر الشرطة بشكل يومي.. فما بين زوج يعتدي علي زوجته، وابن عاق يتخلص من حياة والديه بسبب تناول العقاقير، والمواد المخدرة، تدور دائرة هذه الظاهرة التي تحولت لكابوس يهدد استقرار الأسرة التي أساسها المودة والرحمة والأحترام المتبادل بين أفرادها.
الخبراء أكدوا أن علاج هذه الظاهرة يحتاج إلي زيادة الوعي المجتمعي، والتأهيل النفسي قبل الإقدام على الزواج، ولابد من توافر تشريعات صارمة للحد منها، ووقف العنف بكل أشكاله.
بداية يعرف د.سمير خطاب، أستاذ ورئيس قسم البحوث النفسية والاجتماعية بمعهد البحوث الأفروأسيوية بجامعة قناة السويس، العنف الأسري (أو العنف المنزلي) بأنه الإساءة المتعمدة بين أفراد الأسرة بعضهم البعض، وعادة ما يكون الطرف الأضعف هو الطرف المعنَّف (الذي يقع عليه العنف)، والطرف الأقوى هو الذي يمارس العنف ومن أمثلته الاعتداءات الجسدية، وأعمال العنف الجنسي، والإهانات والإذلال، والمعاملة باحتقار، مؤكدا أن ثمة أية مظاهر عنف ضد الطفل، تكون أثارها سلبية علي شخصيته مثل تعرضه للأذى الجسدي أو الجنسي أو العاطفي أو النفسي، وغيرها من مظاهر العنف التي تؤذي مشاعره وتحوله لشخص انطوائي.
ويوضح أستاذ علم النفس، أن علاج هذه الظاهرة يتم عن طريق الأخصائي النفسي أو الاجتماعي المعني بالتعامل مع الحالات في هذا الشأن، لافتا إلي أن كبح العنف الأسري ضد الصغار تقع مسئوليته على كل أفراد مجتمعنا وأولى خطوات التغيير الحقيقي هي تثقيف أنفسنا لنبدأ التغيير في محيطنا الصغير، مشيرا إلى أن من طرق العلاج زيادة الوعي المجتمعي، والتأهيل النفسي قبل الإقدام على الزواج، وشدد على أهمية وضع تشريعات تحمي المرأة، والطفل، والمسن، وأصحاب الهمم من العنف والإيذاء بشتى أشكاله.
التربية الأخلاقية
فيما يقول د.محمد عباس، أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، إن ثقافة الإسلام في التعامل مع الأسرة بمفهومها الشامل تقوم على أسس متينة، امتاز بها الإسلام وتعد من أهم خصائصه، فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم تقوم علي التزكية والتربية الأخلاقية بمفهومها الشامل للأسرة والمجتمع، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري: "بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ" مشيرا إلي أن الأسس التى تقوم عليها الأسرة هى المودة والرحمة والعدل والاحترام المتبادل بين الزوجين، لقوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".
ويوضح أستاذ الثقافة الإسلامية أن النبي الكريم "صلى الله عليه وسلم" ضرب لنا مثلا فى هذا الميدان، فقد كان صلى الله عليه وسلم يلاعب سيدنا الحسن والحسين رضى الله عنهما ويقبلهم، ويقربهم من مجلسه صلى الله عليه وسلم، مما يدل على التربية بالرحمة لا بالغلظة، مبينا أن الشرع الحكيم نهى عن جميع أنواع العنف الأسرى من الضرب المؤذي والسب واللعن والتجريح والقذف التى كثرت في واقعنا المعاصر حفاظا على كرامة المرأة وصيانة لعرضها، حتى في حالة التأديب المشروع، قيّد الإسلام الضرب بشروط تمنع الإيذاء، وأمر أن يكون ضربا غير مبرح، وفي حالات محدودة، وألا يُستخدم إلا بعد استنفاد وسائل النصح الأخرى فقال تعالى: "وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".
نبذ العنف
ومن جانبه يقول د.أحمد شبل، الباحث بمركز الأزهر للفتوى الإلكترونية، إن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في استعمال الرفق في كل أحوال المسلم وبيَّن أنه طريق قويم يبلغ به الإنسان قصده برُقِيٍّ بعيدًا عن جرح المشاعر والأذى النفسي والمعنوي، فقال صلى الله عليه وسلم كما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف"، وأوصى بذلك السيدة عائشة رضي الله عنها، فقال: «يا عائشة، ارفقي فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع من شيء قط، إلا شانه»، وكذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم كل صاحب مسئولية أن يرفق بمن يقعون تحت مسئوليته في إشارة إلى أن الإسلام دومًا يشجع على الرفق وينبذ العنف، فقال: "اللهم، من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به"
ويؤكد د. شبل أنه لا يخلو بيت من مشاكل، فهذه طبيعة الحياة، غير أن استعمال العنف ليس هو الحل لتلك المشاكل، ولن يزيد الأمر إلا تعقيدًا، وغالبًا ما يأتي استعماله بنتائج عكسية سواء بين الزوج وزوجته أو بين الآباء وأبنائهم، ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة والقدوة على أن يبرز للأمة جانب الرفق في تعامله مع زوجاته، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضرب إحدى زوجاته يومًا، ولم يغضب عليهن ولا على غيرهن إلا أن تنتهك حرمات الله كما روي عنه صلى الله عليه وسلم.
ويبين د. أحمد شبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع الصغار يتعامل بالرفق وابتعد عن العنف، وبهذا عمرت البيوت وأدت الدور المطلوب منها أما ما نجده الآن من انتشار للعنف في البيوت فهو نذير خطر ويهدد تماسك الأسرة واستقرار المجتمع.
عقوبات رادعة
وحول التشريعات القانونية التي تجرم العنف الأسري يقول المستشار هيثم موافى رئيس مؤسسة الميزان للمحاماه والاستشارات القانونية، إنه لا يوجد قانون خاص يجرم العنف الأسري وما تزال الجهود الحثيثة مستمرة من المنظمات النسائية لاستصدار قانون يجرم العنف الأسري، لافتا إلي أن الحقائق كشفت عن ارتفاع معدلات العنف ضد النساء والأطفال داخل الأسرة المصرية، وتتوالى مشروعات القوانين المعنية بتجريم ممارسات العنف لكن ذاته العنف مازال طليقا، وقد أشارت دراسة للمجلس القومى للمرأة «العنف ضد النساء فى مصر» أن 28 % من النساء يتعرضن للعنف الجسدى على أيدى أزواجهن، وأقر أن ما يقرب من أربعة من كل خمسة رجال وجهوا شكلا ما من أشكال العنف النفسى إلى زوجاتهم. بينما أفادت ما يقرب من نصف الشابات بأنهن تعرضن للعنف الجسدى على أيدى أشقائهم الذكور؛ كما وجدت نسبة مماثلة أفادت بالتعرض للعنف الجسدى من قبل الأب .
ويبين المستشار موافى أن المادة 60 من قانون العقوبات تُنقذ مرتكبى العنف ضد النساء وتمدهم بحصانة من العقوبة فى حالات العنف الأسرى، حين يُمنح الجانى الرأفة إذا أثبت أن ما ارتكبه كان «بنية سليمة»، فلا يحتوى القانون المصرى على نص يجرم العنف الأسرى، وعليه يمكن استخدام هذه المادة لتبرير العنف الأسرى على أنه حق الزوج فى تأديب زوجته ولتبرير جرائم الشرف، علاوة على ذلك، فإن الاغتصاب الزوجى غير معترف به فى قانون العقوبات، موضحا أنه رغم غياب مصطلح «جرائم الشرف» من التشريعات المصرية، إلا أن قتل النساء على خلفية الشرف يلقى تعاطفا من المحاكم، ويشهد تخفيفا للحكم على جريمة هى فى واقع الأمر جريمة قتل عمد، حيث يتيح قانون العقوبات للقاضى النزول بالعقوبة درجتين إذا رأى أن ملابسات الجريمة تستدعى ذلك، مبينا أن المحاكم تستند إلى المادة ذاتها لإصدار عقوبات مخففة أحيانا فى جرائم الاغتصاب والعنف الجنسى..
ونوه المستشار هيثم أن المجلس القومى للمرأة تقدم بمشروع قانون معنى بحماية المرأة من كل أشكال العنف، التى تتعرض لها سواء فى نطاق الحقوق الشخصية أو الحقوق الاقتصادية، أو السياسية، أو الاجتماعية، فعلينا جميعا كمجتمع من موقع مسؤليته نشر ثقافة نبذ العنف والتعريف بنتائجه النفسية البالغة الخطورة، خاصة أن نتائج العنف الأسري قد تؤدي إلى تفشي الجريمة في المجتمعات، مضيفا: بالرغم من تزايد حالات العنف الأسري، إلا أن القانون خلا من العقوبات التي تتصدى لهذه الجرائم.



